عمر بن أحمد العقيلي الحلبي ( ابن العديم )

271

الوصلة إلى الحبيب في وصف الطيبات والطيب

أراد المستكفي أن يذهب عن نفسه الروع ويشغل فكره ولبّه بما يمكن أن ينسيه واقعه ويجعله يضيع في زحمة حديث يجمع حواسه وقلبه وينقله إلى جو مترف غني يكون الشعر أداته وأطايب الطعام ونفيسها مادته . ولذلك اقترح عقد هذا المجلس الترفيهي وفرض حديثه . وهل هناك أجمل من حديث الطيبات من الطعام يدور على الألسن ويتذاكره الشعراء يستشهدون بما يحفظون من منظوم القول في وصف ألوانه وتحضير أصنافه . وانبرى الجلاس يجيبون على أسئلة الخليفة ويذكرون أبياتا لمن صال وجال في هذا الميدان . فابن المعتز يصف سلة ممتلئة بصحاف من الطعام ذات ألوان متعددة حمراء وصفراء ، فيها الطرخون ذو الرائحة الفطرية المعروفة ، والزعفران ، والقرنفل والزعتر والثوم والزيتون والبصل والسلجم أي اللفت - كلها قد جعلت كوامخ يؤتدم بها بطرق متعددة وباشكال مختلفة كأنها أزهار الروض . أما كشاجم فسلته مليئة بكل نادر ، جمعت من هذه النوادر مالذ وطاب : جدي وفراخ وفروج وطيهوج وسنبوسج والبيض والزيتون والشطائر والترنج وجبن وخل وتمر وباذنجان وهليون ولوزينج . كل هذا تناوله القوم والساقي يدير كؤوس الشراب والغناء يصدح في المجلس فما زال الشاعر يشرب حتى درجة السكر . أما ابن الرومي فإنه رأس الوصافين وأنعت النعات وما أطول باعه في نظم القصيد وتفصيله ووصف جزئياته باستقصاء كامل وشامل . وبنفس طويل جدا يحدثنا قصة هذه اللذائذ من المآكل : الجرادق ، ولحم الفروج والفراخ يزينها اللوز وتعارضها صفوف من الجوز يزينها النعنع والطرخون والبيض المسلوق وو . . . . أنواع كثيرة اتخذت أشكالا رائعة جميلة لا يسع الآكل إلا أن يتأملها برهة . « لأن العين تأكل قبل الفم » كما يقول العامة . ثم يصف ابن الرومي شاعر اللذات هجومه على هذه المائدة دون هوادة فقد هدم كل ما بناه الطباخون ومزوّقو الأطعمة فأغار عليها يحشو فمه من بعضها ويكدم ما تقبضه يداه كدما وفكاه يطحنان بلا رحمة . أليست له معدة شيطان رجيم كما يقول ؟ والشاعر إسحاق بن إبراهيم الموصلي يصف لنا صناعة « السنبوسج » وصفا جميلا ودقيقا خطوة خطوة . فينظمها شعرا بشكل لا يمكن معه أن يخطئ صانعها أو يسهى عن أحد